الثلاثاء، أبريل 19، 2011
صفحات من كتاب الخطط السكندرية للدكتور خالد هيبه - المعمورة
- تعتبر ضاحية " المعمورة " أشهر المصايف المصرية والسكندرية بشواطئها الساحرة الخلابة ، وهي تمثل مدينة سياحية عمرانية متكاملة تقع ما بين منطقة " حدائق المنتزة " غرباً وتتصل بها عبر بوابة خاصة تقع بسور منطقة "المنتزة" ، وما بين ضاحية "أبو قير" شرقاً كآخر الشواطيء السكندرية الشرقية على البحر المتوسط ، كما وأن لضاحية ومنطقة "المعمورة" ظهير خلفي يقع خارج نطاق الضاحية ذات الموقع الشاطئي المتميز ، حيث تقع منطقة "المعمورة البلد" ،
وهي منطقة شديدة التناقض مع واقع ضاحية "المعمورة" السياحية ، حيث تقطنها الطبقات الشعبية والبسيطة وينقصها العديد من الخدمات الرئيسية من مرافق وخدمات وغيرها ، وعلى الرغم من لا يفصلها عن منطقة "المعمورة" الشاطيء سوى خط سكك حديد "أبو قير" الذي يمثل الحد الجنوبي لضاحية "المعمورة" الساحلية حيث بوابات "المعمورة"
التي لا يجتازها سوى أصحاب الوحدات ورواد المنطقة من المصطافين من المصريين والأجانب .
- ومسمى "المعمورة" مسمى حديث أطلق على تلك البقعة الساحرة والتي يرجع تاريخ تعميرها إلى العهد البطلمي في مدينة الإسكندرية ، حيث كان يطلق عليها اسم "مينوس" "Menouthis” وكانت تقع ما بين مدينتي "أبو صير الصغري" ( وهي منطقة المندرة حالياً ) و"كانوب" (مدينة أبو قير الحالية) لتندثر بعد ذلك خلال العصور المتتالية حيث تخلف عنها أطلال وخرائب لتعرف تلك المنطقة بعد ذلك بالخراب والخربة ولتشتهر بمسمى "الخرابة" ، وظلت المنطقة بعد تسمى بذلك حيث ورد في كشاف الزمخشري بأنها عزبة تسمى "الخرابة" من توابع "أبو قير" ، كما وردت بمعجم البلدان حيث أوردها "ياقوت الحموي"
تحت مسمى "خربتا" فيذكر حول موقعها "وهو حوالي الإسكندرية ، وهو الآن خراب لا يعرف " وأستمرت تحمل أسم "الخراب" أو "الخرابة" حتى كانت نهضة الإسكندرية الحديثة منذ عهد والي مصر "محمد علي باشا" ، والذي أهتم بالإسكندرية ونهض بها وعمل على عمرانها ، وكذلك خلفاءه من الولاة وحتى فترة حكم الخديوي "إسماعيل" (1863 - 1879 م)
، والذي عمر منطقة وحي "الرمل" وانشأ به سرايته الشهيرة "سراي الرمل" (طابية سيدي بشر بعد ذلك والذي حل محلها فندق المحروسة حالياً ) ليجعلها مقراً صيفياً له ولأسرته ، كما دعى الأمراء والوجهاء لتعمير هذا الحي الناهض في شرق المدينة ، وبخاصة في أعقاب ربطه بخط حديدي للترام (خط ترام الرمل بعد ذلك )
وكذلك بخط سكك حديد آخر امتد وحتى ضاحية "أبو قير" ( خط سكك حديد أبو قير) ، وأستمر نجله وخلفه " الخديوي توفيق"
من بعده في الإقامة بالإسكندرية صيفاً في ذات المنطقة ، حتى جاء خلفه " الخديوي عباس حلمي الثاني " (1892 - 1914م)
والذي أستكمل تعمير المنطقة ما بين حي "الرمل" وضاحية "أبو قير" حيث أنشأ "سراي المنتزه" وسط منطقة حدائق شيدها منذ أوائل ولايته عام 1892 م في منطقة ساحلية ساحرة خلابة أكتشفها بنفسه في منطقة تجاور عزبة "الخرابة" تلك ذات التاريخ البائد ، ليشرع مع ذلك في تعمير كافة مناطق شرق المدينة .
- ولاستهجان كلمة ومسمى "الخرابة" لما في معناها من التشاؤم ، وذلك كما يقول الأستاذ "محمد رمزي" حيث ذكر ذلك في مؤلفه القيم "القاموس الجغرافي للبلاد المصرية " ، فصدر قرار بتسمية هذه العزبة باسم "المعمورة" (نقيض الاسم الأصلي الخرابة ) حيث خصص الشاطيء الخاص بها للأسرة المالكة وأصبحت تتبع ضاحية "أبو قير" من الواجهتين الإدارية والمالية ،
كما أقيمت بها في تلك الفترة ومع بدايات القرن العشرين بعض الدور والقصور والفيلات الخاصة بالأمراء والوجهاء ، وفي عام 1922 م صدر قرار بفصلها عن ضاحية "أبو قير" من الوجهة الإدارية مع أستمرارية ضمها إلها من الوجهة المالية وذلك باسم "المعمورة وأبو قير" وبذلك أصبحت "المعمورة" منفصلة عن "أبو قير" إدارياً ومشتركة معها في الزمام ، وكانت كل تلك الجهات سواء "المعمورة" أو "أبو قير" تتبع مركز "كفر الدوار" بمحافظة "البحيرة" وأستمر حالها كذلك حتى قيام الثورة عام 1952 م حيث تم فصلها في ابريل عام 1955 م لينشيء قسم إداري جديد يسمى "قسم المنتزة" وليتبع محافظة الإسكندرية ، حيث تم ضم كل هذه المناطق فصلاً من مركز "كفر الدوار" إلى ذلك القسم الجديد بالإسكندرية وحتى الآن ، كما يتم تخصيص منطقة " حدائق المنتزة" لتكون مفتوحة ومتاحة أمام كافة المواطنين من أبناء الشعب بعد أن كانت قاصرة على أفراد الأسرة المالكة ،
وكذلك منطقة شاطيء "المعمورة" حيث تم إنشاء شركة خاصة لتنمية المنطقة كما تم تقسيمها إلى أراضي ذات مساحات متفاوتة لإقامة الفيلات والعمارات ولتتوافر للمنطقة كافة المرافق والخدمات ولتصبح المعمورة بمثابة مدينة عمرانية سياحية كاملة
، وقد جذبت "المعمورة" العديد من المشاهير للإقامة الصيفية بها من الفنانين والساسة وغيرهم ، كما كان يقيم بها الزعيم الراحل "جمال عبد الناصر "
وكذلك الزعيم الراحل "محمد أنور السادات" حيث حولت رئاسة الجمهورية الأستراحة الخاصة بالملك السابق "فاروق" بمنطقة "المعمورة" بعد قيام ثورة يوليو عام 1952م ليقيم بها رؤساء مصر بصفة دائمة خلال زياراتهم المتكرر للإسكندرية ، وحيث شهدت تلك الأستراحة أتخاذ الكثير من القرارات الهامة والمؤثرة في فترة حاسمة من تاريخ مصر الحديث والمعاصر وبخاصة في عهد الرئيس "السادات"
الذي كان دائم الإقامة بها وحيث كان يستقبل فيها العديد من زعماء دول العالم .
- وهكذا قدر لتلك المنطقة من الإسكندرية أن تستحيل من "خرابا" إلى "عمرانا" واقعاً ومسمى لتشتهر بمسمى يحمل بذات المدلول " المعمورة " لتسطر بذلك صفحة أخرى من صفحات التاريخ في الإسكندرية .
الاثنين، أبريل 18، 2011
سجون العقل العربى للمفكر الكبير د طارق حجى - الجزء السادس
التغلغل
أُطلقت تسميةَ الإرهابِ على عدةِ ظواهرٍ خلال نصف القرنِ الأخير . فمثلاً أَطلق البريطانيون وصفَ الإرهابِ على عملياتِ الجيشِ الجُمهوري الأيرلندي كما أُطلق نفس الوصف على العديدِ من الحركاتِ مثل الحركةِ التي تَستهدف استقلالَ إقليم الباسك بين أسبانيا وفرنسا كما أُطلق نفس الوصف على عملياتِ مُنظماتِ الألوية الحمراء (إيطاليا) وبادرماينهوف (ألمانيا) وحركات مماثلة في اليابان وأمريكا اللاتينية . أما اليوم , فعندما يُستعمل مصطلح الإرهاب فإن أولَ ما يتبادر للأذهانِ (خارج المُجتمعات العربية والإسلامية) أَن عربًا أو مُسلمين قاموا بعملٍ عنيفٍ . وقد تصاعد خلال السنواتِ منذ كارثة 11 سبتمبر 2001
الربطُ ما بين المسلمين والعمليات الإرهابية، وهو الربط الذي أدى إلى ظهورِ ظاهرةِ الخوفِ الهوسي من الإسلام (الإسلامو فوبيا) . والذي لا شك فيه أن مُسلمين أو عربًا يكونون عادةً منخرطين في العملياتِ التي يَصفها العالمُ اليوم بالإرهابِ . وبغض النظر عن أكبر مدرستين في تفسير ذلك وهما مدرسة تدين المسلمين بشكلٍ مُطلقٍ ومدرسةٍ (إسلامية) تبرر ذلك بما تعرض ويتعرض له المسلمون، فإنني أودُ في هذا الفصل أن أتناول منابعَ أو مصادرَ أو أعمدةَ تلك الظاهرة بشكلٍ قد يكون مُختلفًا عن مُعظم التناولاتِ السابقة لهذا الأمر الذي أصبح بمثابةِ الشُغل الشاغل لمئاتِ الباحثين والدارسين في العالم .
رغم تسليمي باختلافِ ظاهرة الإرهاب التي ينخرط فيها عربٌ ومُسلمون عن غيرهِا من ظواهرِ الإرهابِ فيما يتعلق بالحجمِ، أي كَون الظاهرة في حالتِها الإسلامية أكبر حجمًا وأكثر اتساعًا من أي ظاهرةٍ أُخرى وُصفت بالإرهابية (مثل الظاهرة الأيرلندية)، إلا إنني أرى أن الاختلافَ يتعلق بحجمِ وعددِ الأتباعِ في المقامِ الأول . وأعني أنه بينما يُعتَبَر عدد الدعاة قليلاً ومُشابهًا للدُعاةِ في أنساقٍ ثقافيةٍ ودينيةٍ أُخرى فإن أعدادَ الذين ينجذبون لأفكارِ الدُعاةِ في الحالةِ الإسلاميةِ أكبرُ بكثيرٍ جدًا .
وفي اعتقادي أن الذين يتعاملون سياسيًا وأمنيًا وكذلك الذين يَدرسون ما يُسمى بالإرهاب الإسلامي يبدأون من نقطةٍ تتجاوز هذه التفرقة بالغة الأهمية بين "الدُعاةِ" و"الأتباعِ" . بينما يميل كاتبُ هذه السطور للاعتقادِ بأن هذه التفرقةَ هي كلمةُ السرِ التي تفتح أبوابَ الحلولِ والتعامل الناجح مع تلك الظاهرةِ التي يرى البعضُ خارج المجتمعات الإسلامية أنها تمثل التحدي الأكبر للبشريةِ وللإنسانيةِ وللمدنيةِ في القرنِ الحادي والعشرين .
فالدُعاةُ الذين يكتبون كُتبًا ويلقون محاضراتٍ ويحاولون التأثير في الناسِ بشكلٍ إيجابي أو سَلبي لا يَستطيعون جذب أتباع بأعدادٍ كبيرة إلا إذا كانت الحالةُ الذهنية والنفسية والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية تجعل الأتباعَ في حالةِ استعدادٍ لتلقي الدعوة . في كل الأديان والطوائف والمِلَل، دُعاةٌ يحاولون الترويج لأفكارٍ بالغة التشدد وأحيانًا بالغة العدوانية . ولكن حجمَ وأعدادَ الأتباعِ يتفاوتون . وعلى سبيل الِمثال، فإن هناك من القادةِ الدينيين اليَهود
والمَسيحيين من يدعون لأفكار بالغة التضاد مع الإنسانية والتسامح وقبول الآخر (بل ولقتل بعض الآخرين) .
ولكن يبقى أن أعدادَ هؤلاء لا تشكل ظاهرةً تعكس اتساع وكثرة أعداد أتباع بعض الأفكار والدعوَات الإسلامية المُتشددة . وتتجه نظمٌ سياسيةٌ عديدةٌ (وللأسف، تُؤيدها قِطاعاتٌ من المُثقفين) للتعاملِ الأمني مع أعضاءِ الدائرتين : دائرة الدُعاة ودائرة الأتباع؛ ومن هنا تبدأ ثم تتوسع ثم تتفاقم الكارثةُ .
ففي اعتقادي أَن الدُعاةَ قد يُشكلون بعض الخطورة، ولكنها خطورةٌ نسبيةٌ أو مَحدودةٌ لا توصل المُجتمعات إلى ما وصلت إليه عدةُ مُجتمعاتٍ إسلامية مُعاصرة، وأَزعُم أن التعاملَ الأمني مع مُعظم الدُعاةِ لا يؤدي لأية نتائجٍ إيجابية . فقتلُ مُفكرٍ مثل سيد قطب على المشنقة سنة 1966 لم يَنتجُ عنه أي انحسارٍ لأفكارهِ التي تعُد (في اعتقادي) بعد اندماجها مع التيار الوهابي
بمثابةِ المصدرِ الفكري الأول لمعظمِ تياراتِ الإسلامِ السياسي العنيفةِ والرَاديكاليةِ . إن الطريقةَ الوحيدة للتعاملِ مع الدُعاةِ هي صحوةٌ فكريةٌ وثقافيةٌ تنخرط فيها النُخبُ المثقفة بمعنى أن يُقارع الفكرَ بالفكرِ والرأي بالرأي والكتابةَ بالكتابةِ. وهنا، فإن فئةَ المثقفين الرسميين تكونُ غيرَ ذاتِ قدرةٍ على التأثيرِ بشكلٍ إيجابي لكون أفرادها "موظفين" أكثر من كونهم "مفكرين أو مثقفين" . ناهيك عن دلالات عدم المصداقية بالنسبةِ لمعظمهم .
وفي كل الأحوال , فإنني لا أظن أبدًا أن الدُعاةَ هم حجر الأساس لظاهرةِ العُنفِ السياسي الموصوم بالإرهابِ الإسلامي .
إن الداءَ كله يكمن في "الأتباع" . وبداية الحلول تكمن في الإجابة عن السؤالِ التالي : ما الذي يجذب الشباب (بوجهٍ خاصٍ) في مُجتمعاتٍ إسلاميةٍ عديدةٍ للسيرِ وراء هؤلاء الدُعاة الذين صاغوا أفكارًا راديكالية تسوّغُ العُنف والابتعاد عن مَسيرةِ المدنيةِ الإنسانيةِ . وفي اعتقادي أن مُجملَ الأسباب التي تُغري الشباب في المُجتمعات الإسلامية باتباع الدعوات الراديكالية يمكن أن تنضوي تحت كلمةٍ واحدةٍ كبيرةٍ هى "الغضب" . وهو في اعتقادي غضب متعدد المصادر، كما أنه في اعتقادي غضبٌ علينا أن نفهمهُ لا أن نَستهجنهُ، ولا يهم إن أدى "الفهم" للتعاطف , فالتعاطف (عند العُقلاء أصحاب الرؤية الإنسانية والتاريخية) لا يعني "المُسايرة" أو "التبرير" أو "القبول" وإنما يعني إدراك أننا أمام مرض ومريض , وكلاهُما يحتاج لعلاجٍ أي لطبيبٍ ولدواءٍ وليس لتدابيرٍ أمنيةٍ أو عنفٍ وقسرٍ وتعذيبٍ .
************
٢
ومصادر هذا الغضب عديدة لكن أهمها مايلي :
أولاً : الشُعور المَدعوم بمفردات الواقع بضيق آفاق الحياة وهو يشمل يأس
المُتعلمين وغير المُتعلمين من العثورِ على عملٍ لائقٍ يسمح بحياةٍ إنسانيةٍ
معقولةٍ .
ثانيًا : التفاوت المُذهِل بين الذين "لديهم" والذين "ليس لديهم" .
وأعتقد أن الغضبَ لا ينبع من التفاوت، وإنما من هول مساحاتِ ومسافاتِ التفاوت .
ثالثًا : عدم وضوح أسباب وشرعية ثراء الأثرياء وقوة الاقوياء وشُهرة المشاهير .
لقد كان الناسُ يعلمون أن محمد طلعت حرب رجلٌ ثريٌّ، ولكنهم لم يكن ظنهم يتجه لكون ثروته قد تكونت بسُبلٍ مُريبةٍ .
رابعًا : اختفاء العدالة في مُعظم مجالات الوظائف والعمل وأحيانًا الاعمال التُجارية، حيث تكون لقوةِ العضلاتِ السياسيةِ الداعمةِ للبعضِ (وغير المتوفرة للأكثرية) قوة "بُساط الريح" .
خامسًا: ندرة الشخصيات القدوة في مُعظم المجالات .
سادسًا: قُرب المسافة بين "سُلطان المال" وسُلطانين آخرين هما "السلطة التنفيذية" و"الاعلام" .
سابعًا : ما يشيع عن حالات الفساد دون إمكانية التأكُد من حقيقتها أو دون رؤية أية
عواقبٍ لتلك "القصص" التي تلوكها الألسنُ .
أخيرًا، إن دراسةَ هذه الاعمدةِ السبعة التي يرتكز عليها هيكلُ الغضبِ الذي يفُرّخ العُنف والرفض والعدوانية والإرهاب هى مسألةٌ سياسيةٌ وثقافيةٌ وإستراتيچيةٌ . أما اختزالُ الأمرِ في (التفسير الأمني) ثم (التعامل معه بالوسائلِ الأمنية) فهو ظُلمٌ للمُجتمعِ ولكلِ أطرافِ المسألةِ بما في ذلك هيئات الأمن ذاتها التي يُطلَب منها التعامل الأمني مع ظواهر مُتعددة الجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
الأحد، أبريل 17، 2011
سجون العقل العربى للمفكر الكبير د طارق حجى - الجزء الخامس
التعامل مع المارد
وإذا كان من السهل على أي مواطن أوروبي أو أمريكي غير متعمق في تفاصيل ما سلف أن يظن أن الإسلامَ والعنفَ والإرهابَ هي أمورٌ ملتصقة ببعضها البعض، فإن الدارس لهذا الموضوع يعرف أن كل ما حدث أن فهمًا محددًا للإسلام كان بلا شأن ولا تأثير قبل انهمار الثروة البترولية قد أصبح في ظل ظروف شرحتها في فقرة سابقة من فصل سابق قادرًا على أن يجعل ( بفعاليات البترو/دولار) العالم يظن أن فهمه للإسلام هو (الإسلام)، والحقيقة أنه فهمٌ ضيقٌ وصغيرٌ ولم يكن له أنصار بين المسلمين قبل حلول الثروة البترولية، وأن ملايين المسلمين في مصر وتركيا وبلاد سوريا بالمعنى الواسع والعراق وإندونيسيا وغيرها كانوا لا يزالون بعيدين كل البعد عن حدةِ وتشددِ وتطرفِ وعنفِ ودمويةِ هذا المذهب الصغير في قيمته الفكرية والذي لولا البترودولار وغفلة العالم ما وصل لما وصل إليه اليوم حيث أصبح بالغ الخطورة على سلام البشر وعلى الإنسانية وأضيف وبكل الصدق "على الإسلام والمسلمين"، وأعني هنا المسلمين الذين عرفهم العالم في مصر وسوريا ولبنان والعراق وتركيا منذ نصف قرن كنموذج للتسامح والتواصل مع الآخر والتعايش مع الديانات والثقافات المختلفة– ولكن هؤلاء المسلمين هم الذين أصبحوا بفعلِ حكامٍ طغاةٍ مستبدين (وفاسدين) في ظروف معيشية متدنية تجعلهم فريسةً سهلةً للفهمِ الوهابي للإسلام المدعوم بشلالات البترودولار.
أيضًا، لست بحاجةٍ لأن أُلفت انتباه القارئ المحايد إلى أن وجودَ نصوصٍ في القرآن يمكن أن تستعمل كدليلٍ على عنفِ الإسلام هو أمرٌ لا أهمية له : فمن جهةٍ، هناك تفسيرات مستنيرة تربط هذه النصوص بظروفٍ وملابساتٍ معينةٍ، فالعبرةُ ليست بالنص وإنما بالعقل الذي يتعامل مع النص . كذلك فإن هناك نصوصًا قرآنية أخرى عديدة تدعوا لنقيض العنف والعدوان على المختلفين دينًا ومذهبًا بل و تحض على التعامل معهم بعدلٍ وإنسانيةٍ . كذلك فإن التركيز على النصوص سيسمح للمتطرفين على الجانبِ الآخرِ أن يقولوا إن في أسفار التوراة بوجه عام وفي سفر يشوع بن نون بوجهٍ خاص ما يحض أيضًا على العنفِ والدمِ – وهو ما لا ينبغي أن تتجه إليه العقول .
إن المهمةَ السامية في هذا المجـال هـي مناصرة المستنيرين وتأييد المعتدلين والوقوف إلى جانب الفهم الإنساني للإسلام والذي كان هو دائمًا "الأغلبية" ومقاومة الفهم المتشدد والمتطرف بل و الدموي الذي أنتجته (وهذا أمر طبيعي) العزلةُ وراء كثبان رمال صحراء الجزيرة العربية واختلاط هذه العزلة بنزعة قبلية يستحيل معهما (العزلة الجغرافية والنزعة القبلية) أن يكون الموقف من الآخر إنسانيًا ومتسامحًا وإيجابيًا . وسيكون من أوجب واجبات الحكومة السعودية أن تدرك أن الحلف السعودي/ الوهابي
لم يعد من الممكن له أبدًا أن يستمر فهو حلف يرسخ فكرًا ظلاميًا متطرفًا معاديًا للتقدم والإنسانية والحضارة والتواصل بين الثقافات والنفع من أهم طبيعة من طبائع الحياة وهي التعددية. على كل، فأنا ممن يدعون أنه لا توجد ظواهر إجتماعيةٌ مؤبدةٌ .. فالظواهرُ الاجتماعية ثمرةُ ظروفٍ وعواملٍ. لذلك فإن الخوفَ على الإسلامِ غير الوهابي (خوفًا جوهره احتمال انزواء هذا الفهم والذي كان الواجهة والأغلبية والتيار الأساسي في المجتمعاتِ الإسلاميةِ لعدةِ قرونٍ) هو خوف له أسبابه. فما لم تتم معالجة عناصر معادلة الانهيار الداخلي التي شخصتها (من الأتوقراطية إلى ذهنية العنف مرورًا بعدم الكفاءة وانهيار المستويات الحياتية واليأس وتدني نظم التعليم) وما لم يميّز العالم الخارجي بوجهٍ عامٍ والقوى العظمى الوحيدةِ بوجهٍ خاص أن اتخاذ مواقف عدائية من الإسلام والمسلمين بشكلٍ مطلق وجزافي سيؤدي لردودِ فعلٍ لا يمكن أن تكون إلاَّ سلبية – لاسيما وأن العالم الخارجي (والقوى العظمى بالتحديد) كانت شريكًا لأولئك الذين تسببوا في تعاظم "معادلة الإنهيار الداخلي" كما كانوا شركاء في الظروف الخارجية التي سمحت لتيارِ العنفِ بأن يستفحل أمره وينتشر ذلك الانتشار الكبير.
إن عدم انشغال "الإنسانية" كلها بدعم "الإسلام غير المحارب" (والذي كان بمثابة الـ Main Stream حتى وقت قريب) وذلك عن طريق الإشتراك في إزالة الألغام الداخلية والخارجية سيكون جريمة من الإنسانية في حق نفسها وستكون عواقبها مروعة وثمنها فادحًا – وأخشى ما أخشاه أن تتسبب في ذلك "الطفولة الثقافية" للقوى العظمى الأولى في العالم اليوم: وأنا أعني ما أقول: فإن الولايات المتحدة رغم إنجازاتها العملاقة في عشرات المجالات تعاني مما أطلق عليه في محاضراتي "الطفولة الثقافية للسياسات الأمريكية" في غير قليل من الحالات. إن العمود الفقري للإنسانية هو "جسم ثقافي" أكثر من أي شئ آخر – وهذا ما لا يحوزه معظم المواطنين الأمريكيين ونسبة كبيرة جدًا من كبار مثقفيها .. وتفسير ذلك عندي هو الفجوة بين "التقدم المادي/العلمي/التكنولوجي" وبين "الثراء الثقافي".. وكذلك الخلط الشديد في مراكز الفكر والثقافة في الولايات المتحدة بين "المحصول المعلوماتي" و"المحصول المعرفي" .. ولعل مقارنة بين كتاب "دراسة في التاريخ" لأرنولد توينبي
ومؤلفات معظم مشاهير الكتابة في السياسة وصراع الحضارات الأمريكيين المعاصرين توضح ما أقصده هنا.
وبعد ثلاثة عقود من تكوين المملكة العربية السعودية واكتشاف البترول كانت أشياءٌ كثيرةٌ في الدنيا قد تغيرت:
- أولاً : تحققت ثروة هائلة سمحت بالإنفاق ببذخٍ على الفهم الوهابي للإسلام في الداخل والخارج. وهو ما أدى لحدوث تأثيراتٍ لا تنكر على فهمِ الكثير من المسلمين المعتدلين أصلاً للإسلام؛ إذ اقتربت عقولُ العديد منهم لنموذج الفهم الوهابي للإسلام.
- ثانيًا : تعرضت مصرُ لتراجعٍ كبيرٍ في كل مستوياتها منذ الستينيات بما في ذلك تراجع مُناخها الثقافي العام وتغلغل النفوذ الوهابي داخل مؤسسة الأزهر العريقة؛ ثم جاءت هزيمةُ يونيه 1967 لتفتح المجال واسعًا أمام المجموعات المتأثرة في مصرَ بالفهم الوهابي للإسلام لكي تتحول إلى تياراتٍ سياسيةٍ نشطة ذات توجهات متشددة بل و متطرفة بل و حاملة للمدفع والبندقية.
- ثالثًا : ارتكب الغربُ بوجهٍ عام والولاياتُ المتحدة الأمريكية بوجهٍ خاص أخطاءً عديدة بسبب ظروف الحرب الباردة من بينها غض النظر عن تنامي الفهم الوهابي للإسلام في العالم العربي والإسلامي والتعامل مع تياراتٍ تنتمي للفهم الوهابي للإسلام بغرضِ تحقيق أهدافٍ محددة مثل طرد القوات السوفيتية من أفغانستان.
وهكذا يكون السؤال حول "مستقبل العقل المسلم" هو ذات السؤال حول "مستقبل المجتمعات المسلمة" – هل هو مستقبل في ظل الحريات والديمقراطية والإزدهار والتقدم .. أم مستقبل سيشهد نقيض كل ذلك؟ .. والإجابة عن هذا السؤال تحدد الإجابة عن السؤال حول مستقبل العقل المسلم : أهو طريق الإسلام الوسطي أم طريق الإسلام الوهابي؟ إن الإسراع في عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي هو الضمانة الوحيدة للتقليل من الشعبية غير العقلانية لفكر الجماعات الإسلامية في العالم. فإذا شعرت شعوب المجتمعات الإسلامية بمتعة الحرية والمشاركة وواكب ذلك تحسن ملحوظ في الاقتصاد والظروف الحياتية مع إصلاح تعليمي ملموس – فإن شعوب المجتمعات الإسلامية سينخفض إعجابها غير العقلاني بالجماعات الإسلامية وستدرك تلك الشعوب أن الخير والصواب لا يمكن أن يتوفرا على يد أشخاص مثل قادة هذه التيارات بذهنيتهم المتسمة بالتعصب والبداوة وضيق الأفق وعدم المعرفة بمعظم معطيات العصر.
إن اليأس وسوء الظروف الحياتية والشعور بالظلم وقسوة الحياة والفساد هي مكونات البيئة المثلى لازدياد شعبية التيارات السياسية الدينية. إذ أننا نكون في حالة يتواجد فيها "أمل" (وإن كان مستحيل التحقيق) في مواجهة "يأس كبير". والحقيقة أن المتأسلمين لا يمكن أن يكونوا على درجة عالية من الكفاءة. فهم أصحاب "حلم" (وهم؟!) ووعود كبيرة واعتقاد (لا أساس له) أن لديهم وصفة "فيها البركة" (!؟؟) ولكنني كقائد إداري لمؤسسة كبيرة لسنوات عديدة لا أعرف ما هي مصادر كفاءتهم. إن "التقدم" ظاهرة إدارية عصرية تتحقق للمسيحي واليهودي والمسلم والبوذي إذا توفرت عناصرها – وعناصر التقدم سياسية/إدارية/اقتصادية/تعليمية إنسانية بلا دين ولا جنسية.
و كنتيجة لليأس وسوء الظروف الحياتية والشعور بالظلم وقسوة الحياة والفساد يعيش العقلاءُ في منطقتنا اليوم وبين أرجلهم ومن حولهم قطعان من المخربين. أما العقلاء، فتعريفهم عندي أولئك الذين يريدون أن يعيشوا وأن يحسّنوا نوعية الحياة لأنفسهم وللآخرين معهم ومن بعدهم . أما المخربين، فهم أولئك الذين يصرون (تحت شعارات يرفعونها وتبدو للسذج نبيلة) على إعاقة الحياة وعملية تواصلها وتواصل تجويدها وتحسين نوعيتها . وأول المخربين، هم أولئك الذين يخلطون (بخبث لا بحسن نية) الدين بالسياسة، فيدعون أن الله معهم وأنهم – لذلك- يملكون وصفة (روشتة) علاج لأمراض واقعنا كلها . وهو زعم ساذج وبدائي ولا أساس له من المنطق أو التجربة التاريخية . فالتاريخ الذي يصفونه بالمجيد لم يكن أكثر من تاريخ إنساني كان عامرًا بالصراعات والدم (مقتل ثلاثة من أربعة خلفاء راشدين ... وجرائم بني أمية بدءًا من مقتل الحسين وأنصاره إلى آخر السلسلة المعروفة من حكامهم وحكمهم الذي وصفه ابن خلدون
بأنه ما كان إلا ملكًا عضوضًا) ... ثم جرائم معظم الخلفاء العباسيين بدءًا من أوليهما – السفاح وأبي جعفر المنصور
الذين قتلا من ساعدهما على الوصول للحكم – إلى هارون الرشيد بطل مجزرة البرامكة... إلى المأمون الذي أمر بضرب أحمد بن حنبل "ضرب التلف" لاختلافه معه في قضية فلسفية محضة (قضية خلق القرآن أم أبديته)... إلى لحظة سقوط الخلافة العثمانية...
ولا يضحكني شيء أكثر من زعم "أول المخربين" أن نهجهم سيأتي بالبركة الإلهيـة ... فتنجح أعمالهم . وقد تناسى هؤلاء أن البركة (كل البركة) لم تفد المسلمين يوم موقعة أحد حيث انهزموا رغم وجود أقوى أسباب البركة وسطهم وهو الرسول (ص) . وهى حادثة فارقة في تاريخ المسلمين إذ تثبت أن الله (كما كتب الوليد بن رشد بروعة) قد وضع قوانين الحياة وجعلها تعمل ... ومن بين قوانين الحياة أن ينتصر في الحروب من هو أكفأ، و ليس من "يتخيل أن البركة معه" .
ولولا أمية الكثيرين من أبناء مجتمعاتنا وضحالة علم معظم المتعلمين، لكان من الجلي للكل أن "أول المخربين" لا يمكن أن يكونوا أكفاء . فللكفاءة مصدران هما "العلم" و "الإدارة الحديثة" ... ومن غير المتصور أن يتحلى "هؤلاء" ببعض (ناهيك عن الكثير) من مقومات الكفاءة هذه ... ويكفي أن ننظر إليهم ونسمع (ونقرأ) كلامهم ... (يقول أرسطو : "تكلم حتى أراك") .
وإلى جانب "أول المخربين" يقف حسن نصر الله
الذي يصر على تدمير لبنان (أحد أجمل بقاع عالمنا العربي) بسبب تبعيته المطلقة والعمياء لنظام حكم القرون الوسطى في إيران . ومن أكثر ما يحزنني أن يكون معظم الأحياء على سطح الأرض يرون جسامة وفداحة خطأ حسن نصر الله يوم 12 يوليو 2006 (بل يقر هو أيضًا بذلك الخطأ في حديث له مع واحد من أكثر المثقفين العرب إمعانًا في التخريب) ولا يعني ذلك عند شعوبنا وضع هذا الشخص على رأس قائمة المخربين . إن النتيجة العملية الوحيدة لحرب حزب الله لإسرائيل في صيف 2006 هى انتقال "ميليشيا حزب الله وزعيمها" من القتال مع إسرائيل إلى القتال مع لبنان ولبنانيين آخرين أكثر انتماء للعصر من ميليشيات "السيد" المستند بالكلية على "حائط طهران" .
وإلى جوار من ذكرت من المخربين، تأتي "حماس" (الإخوان المسلمون فرع غـزة – كما كانوا يسمون منذ عشرين سنة) . فمن لحظة مجيئهم للسلطة أكدُّوا للبشرية خطورة هذا الفصيل بتصرف غاية في قصر النظر . جاءت حماس بسنةٍ جديدة هى عدم احترام الحكومات الإسلامية لما سبق و أقرته حكومات سابقة . ويزيد من فداحة الخطأ – هنا- معرفتي (المؤكدة) أنه لا يوجد زعيم من زعماء حماس إلاَّ ويؤكد في أحاديثه وحواراته الخاصة أن وجود إسرائيل حقيقة مؤكدة . فلِمَ إذن يتم إيذاء ملايين الفلسطينيين من أجل "وهم" ليس إلاَّ ؟! الجواب : لأننا بصدد "مخربين" لا "رجال حكم مسئولين" .
وفي طهران , يحكم مخربون قد يأخذون البشرية لحرب كونية بسوداوية فكرهم وانعزالهم عن حقائق الواقع ورفعهم شعارات لا تمت للعصر ولا للحضارة ولا للمدنية بصلة . ومخربوا إيران طغمة لا ترى أن من أهم مهامها العمل على تحسين ظروف حياة الشعب الإيراني، وإنما التحول الذي لا تتوفر أيَّ من شروطه لقوة عظمى !..
هل اكتملت قائمة المخربين ؟ .. قطعًا لا .. ففي واشنطن مخربون لم يجيدوا عملاً واحدًا بدءوه منذ سنة 2001 . وبصرف النظر عن صواب أو خطأ ما أقدموا عليه , فإن ما أقدموا عليه مورس بأشد درجات الغلط و الخطأ وانعدام المعرفة والرؤية .
وفي القدس وتل أبيب مخربون آخرون لم يدركوا قط أن الزمن (الذي يحاولون كسبه) إنما يعمل ضدهم ... كما أنهم لم يدركوا قط حجم مساهمتهم في إطلاق مارد المتأسلمين من قمقمه ...وربما يدركوا ذلك – بعد فوات الأوان .
عالم مجنون هو الذي نعيش وسطه ... عالم حاشد بالمخربين الذين يحملون نار حقد هائلة في منطقة كلها مواد قابلة للاشتعال : البترول والدين .
وإذا كان من السهل على أي مواطن أوروبي أو أمريكي غير متعمق في تفاصيل ما سلف أن يظن أن الإسلامَ والعنفَ والإرهابَ هي أمورٌ ملتصقة ببعضها البعض، فإن الدارس لهذا الموضوع يعرف أن كل ما حدث أن فهمًا محددًا للإسلام كان بلا شأن ولا تأثير قبل انهمار الثروة البترولية قد أصبح في ظل ظروف شرحتها في فقرة سابقة من فصل سابق قادرًا على أن يجعل ( بفعاليات البترو/دولار) العالم يظن أن فهمه للإسلام هو (الإسلام)، والحقيقة أنه فهمٌ ضيقٌ وصغيرٌ ولم يكن له أنصار بين المسلمين قبل حلول الثروة البترولية، وأن ملايين المسلمين في مصر وتركيا وبلاد سوريا بالمعنى الواسع والعراق وإندونيسيا وغيرها كانوا لا يزالون بعيدين كل البعد عن حدةِ وتشددِ وتطرفِ وعنفِ ودمويةِ هذا المذهب الصغير في قيمته الفكرية والذي لولا البترودولار وغفلة العالم ما وصل لما وصل إليه اليوم حيث أصبح بالغ الخطورة على سلام البشر وعلى الإنسانية وأضيف وبكل الصدق "على الإسلام والمسلمين"، وأعني هنا المسلمين الذين عرفهم العالم في مصر وسوريا ولبنان والعراق وتركيا منذ نصف قرن كنموذج للتسامح والتواصل مع الآخر والتعايش مع الديانات والثقافات المختلفة– ولكن هؤلاء المسلمين هم الذين أصبحوا بفعلِ حكامٍ طغاةٍ مستبدين (وفاسدين) في ظروف معيشية متدنية تجعلهم فريسةً سهلةً للفهمِ الوهابي للإسلام المدعوم بشلالات البترودولار.
أيضًا، لست بحاجةٍ لأن أُلفت انتباه القارئ المحايد إلى أن وجودَ نصوصٍ في القرآن يمكن أن تستعمل كدليلٍ على عنفِ الإسلام هو أمرٌ لا أهمية له : فمن جهةٍ، هناك تفسيرات مستنيرة تربط هذه النصوص بظروفٍ وملابساتٍ معينةٍ، فالعبرةُ ليست بالنص وإنما بالعقل الذي يتعامل مع النص . كذلك فإن هناك نصوصًا قرآنية أخرى عديدة تدعوا لنقيض العنف والعدوان على المختلفين دينًا ومذهبًا بل و تحض على التعامل معهم بعدلٍ وإنسانيةٍ . كذلك فإن التركيز على النصوص سيسمح للمتطرفين على الجانبِ الآخرِ أن يقولوا إن في أسفار التوراة بوجه عام وفي سفر يشوع بن نون بوجهٍ خاص ما يحض أيضًا على العنفِ والدمِ – وهو ما لا ينبغي أن تتجه إليه العقول .
إن المهمةَ السامية في هذا المجـال هـي مناصرة المستنيرين وتأييد المعتدلين والوقوف إلى جانب الفهم الإنساني للإسلام والذي كان هو دائمًا "الأغلبية" ومقاومة الفهم المتشدد والمتطرف بل و الدموي الذي أنتجته (وهذا أمر طبيعي) العزلةُ وراء كثبان رمال صحراء الجزيرة العربية واختلاط هذه العزلة بنزعة قبلية يستحيل معهما (العزلة الجغرافية والنزعة القبلية) أن يكون الموقف من الآخر إنسانيًا ومتسامحًا وإيجابيًا . وسيكون من أوجب واجبات الحكومة السعودية أن تدرك أن الحلف السعودي/ الوهابي
لم يعد من الممكن له أبدًا أن يستمر فهو حلف يرسخ فكرًا ظلاميًا متطرفًا معاديًا للتقدم والإنسانية والحضارة والتواصل بين الثقافات والنفع من أهم طبيعة من طبائع الحياة وهي التعددية. على كل، فأنا ممن يدعون أنه لا توجد ظواهر إجتماعيةٌ مؤبدةٌ .. فالظواهرُ الاجتماعية ثمرةُ ظروفٍ وعواملٍ. لذلك فإن الخوفَ على الإسلامِ غير الوهابي (خوفًا جوهره احتمال انزواء هذا الفهم والذي كان الواجهة والأغلبية والتيار الأساسي في المجتمعاتِ الإسلاميةِ لعدةِ قرونٍ) هو خوف له أسبابه. فما لم تتم معالجة عناصر معادلة الانهيار الداخلي التي شخصتها (من الأتوقراطية إلى ذهنية العنف مرورًا بعدم الكفاءة وانهيار المستويات الحياتية واليأس وتدني نظم التعليم) وما لم يميّز العالم الخارجي بوجهٍ عامٍ والقوى العظمى الوحيدةِ بوجهٍ خاص أن اتخاذ مواقف عدائية من الإسلام والمسلمين بشكلٍ مطلق وجزافي سيؤدي لردودِ فعلٍ لا يمكن أن تكون إلاَّ سلبية – لاسيما وأن العالم الخارجي (والقوى العظمى بالتحديد) كانت شريكًا لأولئك الذين تسببوا في تعاظم "معادلة الإنهيار الداخلي" كما كانوا شركاء في الظروف الخارجية التي سمحت لتيارِ العنفِ بأن يستفحل أمره وينتشر ذلك الانتشار الكبير.
إن عدم انشغال "الإنسانية" كلها بدعم "الإسلام غير المحارب" (والذي كان بمثابة الـ Main Stream حتى وقت قريب) وذلك عن طريق الإشتراك في إزالة الألغام الداخلية والخارجية سيكون جريمة من الإنسانية في حق نفسها وستكون عواقبها مروعة وثمنها فادحًا – وأخشى ما أخشاه أن تتسبب في ذلك "الطفولة الثقافية" للقوى العظمى الأولى في العالم اليوم: وأنا أعني ما أقول: فإن الولايات المتحدة رغم إنجازاتها العملاقة في عشرات المجالات تعاني مما أطلق عليه في محاضراتي "الطفولة الثقافية للسياسات الأمريكية" في غير قليل من الحالات. إن العمود الفقري للإنسانية هو "جسم ثقافي" أكثر من أي شئ آخر – وهذا ما لا يحوزه معظم المواطنين الأمريكيين ونسبة كبيرة جدًا من كبار مثقفيها .. وتفسير ذلك عندي هو الفجوة بين "التقدم المادي/العلمي/التكنولوجي" وبين "الثراء الثقافي".. وكذلك الخلط الشديد في مراكز الفكر والثقافة في الولايات المتحدة بين "المحصول المعلوماتي" و"المحصول المعرفي" .. ولعل مقارنة بين كتاب "دراسة في التاريخ" لأرنولد توينبي
ومؤلفات معظم مشاهير الكتابة في السياسة وصراع الحضارات الأمريكيين المعاصرين توضح ما أقصده هنا.
وبعد ثلاثة عقود من تكوين المملكة العربية السعودية واكتشاف البترول كانت أشياءٌ كثيرةٌ في الدنيا قد تغيرت:
- أولاً : تحققت ثروة هائلة سمحت بالإنفاق ببذخٍ على الفهم الوهابي للإسلام في الداخل والخارج. وهو ما أدى لحدوث تأثيراتٍ لا تنكر على فهمِ الكثير من المسلمين المعتدلين أصلاً للإسلام؛ إذ اقتربت عقولُ العديد منهم لنموذج الفهم الوهابي للإسلام.
- ثانيًا : تعرضت مصرُ لتراجعٍ كبيرٍ في كل مستوياتها منذ الستينيات بما في ذلك تراجع مُناخها الثقافي العام وتغلغل النفوذ الوهابي داخل مؤسسة الأزهر العريقة؛ ثم جاءت هزيمةُ يونيه 1967 لتفتح المجال واسعًا أمام المجموعات المتأثرة في مصرَ بالفهم الوهابي للإسلام لكي تتحول إلى تياراتٍ سياسيةٍ نشطة ذات توجهات متشددة بل و متطرفة بل و حاملة للمدفع والبندقية.
- ثالثًا : ارتكب الغربُ بوجهٍ عام والولاياتُ المتحدة الأمريكية بوجهٍ خاص أخطاءً عديدة بسبب ظروف الحرب الباردة من بينها غض النظر عن تنامي الفهم الوهابي للإسلام في العالم العربي والإسلامي والتعامل مع تياراتٍ تنتمي للفهم الوهابي للإسلام بغرضِ تحقيق أهدافٍ محددة مثل طرد القوات السوفيتية من أفغانستان.
وهكذا يكون السؤال حول "مستقبل العقل المسلم" هو ذات السؤال حول "مستقبل المجتمعات المسلمة" – هل هو مستقبل في ظل الحريات والديمقراطية والإزدهار والتقدم .. أم مستقبل سيشهد نقيض كل ذلك؟ .. والإجابة عن هذا السؤال تحدد الإجابة عن السؤال حول مستقبل العقل المسلم : أهو طريق الإسلام الوسطي أم طريق الإسلام الوهابي؟ إن الإسراع في عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي هو الضمانة الوحيدة للتقليل من الشعبية غير العقلانية لفكر الجماعات الإسلامية في العالم. فإذا شعرت شعوب المجتمعات الإسلامية بمتعة الحرية والمشاركة وواكب ذلك تحسن ملحوظ في الاقتصاد والظروف الحياتية مع إصلاح تعليمي ملموس – فإن شعوب المجتمعات الإسلامية سينخفض إعجابها غير العقلاني بالجماعات الإسلامية وستدرك تلك الشعوب أن الخير والصواب لا يمكن أن يتوفرا على يد أشخاص مثل قادة هذه التيارات بذهنيتهم المتسمة بالتعصب والبداوة وضيق الأفق وعدم المعرفة بمعظم معطيات العصر.
إن اليأس وسوء الظروف الحياتية والشعور بالظلم وقسوة الحياة والفساد هي مكونات البيئة المثلى لازدياد شعبية التيارات السياسية الدينية. إذ أننا نكون في حالة يتواجد فيها "أمل" (وإن كان مستحيل التحقيق) في مواجهة "يأس كبير". والحقيقة أن المتأسلمين لا يمكن أن يكونوا على درجة عالية من الكفاءة. فهم أصحاب "حلم" (وهم؟!) ووعود كبيرة واعتقاد (لا أساس له) أن لديهم وصفة "فيها البركة" (!؟؟) ولكنني كقائد إداري لمؤسسة كبيرة لسنوات عديدة لا أعرف ما هي مصادر كفاءتهم. إن "التقدم" ظاهرة إدارية عصرية تتحقق للمسيحي واليهودي والمسلم والبوذي إذا توفرت عناصرها – وعناصر التقدم سياسية/إدارية/اقتصادية/تعليمية إنسانية بلا دين ولا جنسية.
و كنتيجة لليأس وسوء الظروف الحياتية والشعور بالظلم وقسوة الحياة والفساد يعيش العقلاءُ في منطقتنا اليوم وبين أرجلهم ومن حولهم قطعان من المخربين. أما العقلاء، فتعريفهم عندي أولئك الذين يريدون أن يعيشوا وأن يحسّنوا نوعية الحياة لأنفسهم وللآخرين معهم ومن بعدهم . أما المخربين، فهم أولئك الذين يصرون (تحت شعارات يرفعونها وتبدو للسذج نبيلة) على إعاقة الحياة وعملية تواصلها وتواصل تجويدها وتحسين نوعيتها . وأول المخربين، هم أولئك الذين يخلطون (بخبث لا بحسن نية) الدين بالسياسة، فيدعون أن الله معهم وأنهم – لذلك- يملكون وصفة (روشتة) علاج لأمراض واقعنا كلها . وهو زعم ساذج وبدائي ولا أساس له من المنطق أو التجربة التاريخية . فالتاريخ الذي يصفونه بالمجيد لم يكن أكثر من تاريخ إنساني كان عامرًا بالصراعات والدم (مقتل ثلاثة من أربعة خلفاء راشدين ... وجرائم بني أمية بدءًا من مقتل الحسين وأنصاره إلى آخر السلسلة المعروفة من حكامهم وحكمهم الذي وصفه ابن خلدون
بأنه ما كان إلا ملكًا عضوضًا) ... ثم جرائم معظم الخلفاء العباسيين بدءًا من أوليهما – السفاح وأبي جعفر المنصور
الذين قتلا من ساعدهما على الوصول للحكم – إلى هارون الرشيد بطل مجزرة البرامكة... إلى المأمون الذي أمر بضرب أحمد بن حنبل "ضرب التلف" لاختلافه معه في قضية فلسفية محضة (قضية خلق القرآن أم أبديته)... إلى لحظة سقوط الخلافة العثمانية...
ولا يضحكني شيء أكثر من زعم "أول المخربين" أن نهجهم سيأتي بالبركة الإلهيـة ... فتنجح أعمالهم . وقد تناسى هؤلاء أن البركة (كل البركة) لم تفد المسلمين يوم موقعة أحد حيث انهزموا رغم وجود أقوى أسباب البركة وسطهم وهو الرسول (ص) . وهى حادثة فارقة في تاريخ المسلمين إذ تثبت أن الله (كما كتب الوليد بن رشد بروعة) قد وضع قوانين الحياة وجعلها تعمل ... ومن بين قوانين الحياة أن ينتصر في الحروب من هو أكفأ، و ليس من "يتخيل أن البركة معه" .
ولولا أمية الكثيرين من أبناء مجتمعاتنا وضحالة علم معظم المتعلمين، لكان من الجلي للكل أن "أول المخربين" لا يمكن أن يكونوا أكفاء . فللكفاءة مصدران هما "العلم" و "الإدارة الحديثة" ... ومن غير المتصور أن يتحلى "هؤلاء" ببعض (ناهيك عن الكثير) من مقومات الكفاءة هذه ... ويكفي أن ننظر إليهم ونسمع (ونقرأ) كلامهم ... (يقول أرسطو : "تكلم حتى أراك") .
وإلى جانب "أول المخربين" يقف حسن نصر الله
الذي يصر على تدمير لبنان (أحد أجمل بقاع عالمنا العربي) بسبب تبعيته المطلقة والعمياء لنظام حكم القرون الوسطى في إيران . ومن أكثر ما يحزنني أن يكون معظم الأحياء على سطح الأرض يرون جسامة وفداحة خطأ حسن نصر الله يوم 12 يوليو 2006 (بل يقر هو أيضًا بذلك الخطأ في حديث له مع واحد من أكثر المثقفين العرب إمعانًا في التخريب) ولا يعني ذلك عند شعوبنا وضع هذا الشخص على رأس قائمة المخربين . إن النتيجة العملية الوحيدة لحرب حزب الله لإسرائيل في صيف 2006 هى انتقال "ميليشيا حزب الله وزعيمها" من القتال مع إسرائيل إلى القتال مع لبنان ولبنانيين آخرين أكثر انتماء للعصر من ميليشيات "السيد" المستند بالكلية على "حائط طهران" .
وإلى جوار من ذكرت من المخربين، تأتي "حماس" (الإخوان المسلمون فرع غـزة – كما كانوا يسمون منذ عشرين سنة) . فمن لحظة مجيئهم للسلطة أكدُّوا للبشرية خطورة هذا الفصيل بتصرف غاية في قصر النظر . جاءت حماس بسنةٍ جديدة هى عدم احترام الحكومات الإسلامية لما سبق و أقرته حكومات سابقة . ويزيد من فداحة الخطأ – هنا- معرفتي (المؤكدة) أنه لا يوجد زعيم من زعماء حماس إلاَّ ويؤكد في أحاديثه وحواراته الخاصة أن وجود إسرائيل حقيقة مؤكدة . فلِمَ إذن يتم إيذاء ملايين الفلسطينيين من أجل "وهم" ليس إلاَّ ؟! الجواب : لأننا بصدد "مخربين" لا "رجال حكم مسئولين" .
وفي طهران , يحكم مخربون قد يأخذون البشرية لحرب كونية بسوداوية فكرهم وانعزالهم عن حقائق الواقع ورفعهم شعارات لا تمت للعصر ولا للحضارة ولا للمدنية بصلة . ومخربوا إيران طغمة لا ترى أن من أهم مهامها العمل على تحسين ظروف حياة الشعب الإيراني، وإنما التحول الذي لا تتوفر أيَّ من شروطه لقوة عظمى !..
هل اكتملت قائمة المخربين ؟ .. قطعًا لا .. ففي واشنطن مخربون لم يجيدوا عملاً واحدًا بدءوه منذ سنة 2001 . وبصرف النظر عن صواب أو خطأ ما أقدموا عليه , فإن ما أقدموا عليه مورس بأشد درجات الغلط و الخطأ وانعدام المعرفة والرؤية .
وفي القدس وتل أبيب مخربون آخرون لم يدركوا قط أن الزمن (الذي يحاولون كسبه) إنما يعمل ضدهم ... كما أنهم لم يدركوا قط حجم مساهمتهم في إطلاق مارد المتأسلمين من قمقمه ...وربما يدركوا ذلك – بعد فوات الأوان .
عالم مجنون هو الذي نعيش وسطه ... عالم حاشد بالمخربين الذين يحملون نار حقد هائلة في منطقة كلها مواد قابلة للاشتعال : البترول والدين .
السبت، يناير 22، 2011
صفحات من كتاب الخطط السكندرية للدكتور خالد هيبه - بولكلى
د خالد هيبه
- في حي الرمل تقع منطقة "بولكلي" ، حيث تمثل جزءاً هاماً من التاريخ المصري الحديث منذ أن احتضنت "بولكلي" المقر الصيفي لإجتماعات مجلس الوزراء المصري لمدة تقارب الأربعين عاماً قبل قيام ثورة يوليو عام 1952م، وهي تمثل فترة من أخصب فترات تاريخ مصر السياسي وأكثرها حيوية وديناميكية شهدت بدايات الحكم الدستوري البرلملني للبلاد ليتوافد على بولكلي العظماء من رجالات مصر وساستها وزعمائها نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الزعماء ورؤساء النظارات والوزارات "محمد باشا سعيد" و"رشدي باشا" والزعيم "سعد باشا زغلول" و"مصطفى باشا النحاس" و"أحمد باشا ماهر" و"النقراشي باشا" وغيرهم الكثير من العظماء والنجباء ممن أنجبتهم مصر في كافة المجالات .
- تقع منطقة "بولكلي" ما بين منطقتي "رشدي" و"مصطفى باشا" من جهة الغرب، ومنطقتي "فلمنج" و"جليم" من جهة الشرق، ويمثل ساحلها على كورنيش الإسكندرية شاطيء من أجمل الشواطيء السكندرية حيث جونه "ستانلي" الساحرة والتي زاد رونقها بريقاً مع تشييد كوبري "ستانلي" بنهاية القرن العشرين
- تقع منطقة "بولكلي" ما بين منطقتي "رشدي" و"مصطفى باشا" من جهة الغرب، ومنطقتي "فلمنج" و"جليم" من جهة الشرق، ويمثل ساحلها على كورنيش الإسكندرية شاطيء من أجمل الشواطيء السكندرية حيث جونه "ستانلي" الساحرة والتي زاد رونقها بريقاً مع تشييد كوبري "ستانلي" بنهاية القرن العشرين

ستانلى فى النصف الاول من القرن العشرين
، وتمتد منطقة بولكلي عبر مثلث يشمل ثلاث محطات لخط ترام الرمل رأسه في الغرب حيث المحطة الكبرى التي تعرف بمحطة إيزيس حالياً وكانت هي المحطة النهائية لخط ترام الرمل عند إنشاء الخط حينما كانت تعرف باسم "محطة بولكلي" حيث يتفرع عندها الخط إلى فرعين، خط "باكوس" في الجنوب الشرقي ، وخط "جليم" في الشمال الشرقي ، وتقع قاعدة المثلث ما بين محطة ترام "الوزارة" في اتجاه خط باكوس (وسميت محطة بالوزارة نسبة إلى مبنى المقر الصيفي لمجلس الوزراء والذي يقع في مقابل محطة ترام الوزارة مباشرة) ، وكذا محطة ترام "الهدايا" في اتجاه منطقة جليم ( وذلك نسبة إلى مسجد الهدايا الذي يقع بالقرب من المحطة ) ، ولكن السكندريين يطلقون على "بولكلي" لفظهم المحبب المخفف الدارج "بوكله".
محطة ترام بولكلى عام 1895
- تمثل "بولكلي" محطة هامة من محطات التاريخ السكندري الحديث ، فيذكر المؤرخون أن أول خط حديدي لترام الرمل امتد من محطة الرمل "جهة مسلة كليوباترا سابقاً" إلى منطقة "بولكلي" حيث منحت الحكومة المصرية السيد (إدوارد سان جون فيرمان) في 16 أغسطس عام 1860م امتيازاً لإنشاء هذا الخط، وذلك في إطار تعميرها لمنطقة الرمل ، لتتأسس شركة مساهمة عام 1862م لإنشاء ذلك الخط ليفتتح في 8 يناير عام 1863م لنقل الجماهير بقطار واحد من الإسكندرية "محطة الرمل" إلى محطة "بولكلي" عن طريق "جامع سيدي جابر "، وبقطار مكون من عربة واحدة درجة أولى وعربتان درجة ثانية وعربة درجة ثالثة حيث كان القطار يجر بأربعة خيول تم استبدالها في 22 أغسطس عام 1863م بقاطرة بخارية لتقوم بجر القطار بدلاً من الخيول ولتقطع المسافة ما بين "محطة الرمل" و"محطة بولكلي" في عشرين دقيقة، ولتصبح "بولكلي" المحطة النهائية الرئيسية لخط ترام الرمل وحتى يتم مده بعد ذلك إلى محطة "السراي" حيث تقع سراي الرمل (مكان فندق المحروسة حالياً) والتي انشأها الخديوي البناء "إسماعيل" بعد ذلك لتظل محطة "بولكلي" وللآن (محطة إيزيس حالياً) تحمل ذات السمات لمحطة كبرى رئيسية حيث يتفرع خط ترام الرمل عندها إلى فرعين رئيسيين ، ولاتزال الورش الخاصة بالترام تحتل ذات المنطقة التي شهدت منذ حوالي قرن ونصف بدايات الربط الحديدي الداخلي للترام بمدينة الإسكندرية .
محطة ترام بولكلى عام 1920
- وكما كان لتلك المنطقة الريادة في التوجيه لتعمير منطقة الرمل ومناطق شرق المدينة ، شهدت أيضاً قيام الحكومة المصرية برئاسة "محمد سعيد باشا" رئيس النظار (رئيس الوزراء) بشراء مقراً للوزارة بذات المنطقة "بولكلي" وذلك في 13 يوليو عام 1913م ليصبح مقراً لاجتماعات مجلس النظار طوال أشهر الصيف، حيث كانت العادة قد جرت منذ عهد "محمد علي باشا" أن تنتقل كافة مصالح وهيئات الدولة لتقضي الصيف في الإسكندرية لتصبح مدينة الإسكندرية العاصمة الصيفية لمصر، وفي ذلك يذكر "علي باشا مبارك" في خططه "وللآن الحكومة الخديوية (في زمن الخديوي توفيق) وكذا من سبقهم من العائلة العلوية ، جارية على هذا السنن الذي سنه "محمد علي باشا" من الأنتقال إلى مدينة إسكندرية في زمن الحر ، ويتبع ذلك أنتقال الدواوين فيقيمون ثلاثة أشهر في رأس التين ثم يعودون إلى القاهرة "، وهذا ما كان متبعاً في تلك الفترة ، ومع بداية عهد النظارات في مصر في عصر "الخديوي إسماعيل " كانت المشكلة في تحديد مقر للاجتماعات الصيفية لمجلس النظار وذلك منذ نظارة "نوبار باشا" الأول في أغسطس عام 1878م وحتى تم شراء هذا المقر بمنطقة "بولكلي" ليصبح مقراً للوزارات المصرية المتعاقبة في الصيف ولتشهد "بولكلي" تعاقب الوزراء وزعماء مصر السياسيين في تلك الفتة الخصبة من التاريخ المصري وحتى قيام ثورة يوليو عام 1952م حيث تم في أعقابها إلغاء مصيف الوزارة بالإسكندرية لأول مرة منذ نشأة النظارات والوزارات المصرية ، وفي ذلك يذكر "الرافعي" "قررت الوزارة (وزارة علي ماهر) بجلسة 24 يوليو إلغاء تصييف الحكومة بالإسكندرية وأنتقالها إلى القاهرة ابتداء من يوم الاثنين 28 يوليو ، وعقد أول اجتماع لمجلس الوزراء بالقاهرة (صيفاً) يوم 30 يوليو سنة 1952م، ومن يومئذ ألغى مصيف الوزارة بالإسكندرية" ، ليبقى المبنى قائماً ببولكلي وللآن حيث يتبع رئاسة مجلس الوزراء ويتبقى المسمى فقط للمكان حيث تسمى محطة الترام الواقعة أمام مبنى المقر ببولكلي باسم "محطة الوزارة" .
- ومسمى "بولكلي" مسمى غريب يختلف الكثيرون حول سبب إطلاقه على تلك المنطقة ، فيرجعه البعض إلى وجود أحد العاملين بالقنصلية الإنجليزية والتي كان يقع مبنى سكن قنصلها بالقرب من ذات المنطقة في "أبو النواتير" جنوباً ( منطقة كفر عبده حالياً) وهو الأمر الذي لم يثبت لنا في أي من المراجع التاريخية الشهيرة ، ولكنه من الثابت تاريخياً أن تلك المنطقة التي يطلق عليها الآن "بولكلي" كانت تقع في ذات المكان الذي كانت تقع فيه مدينة صغيرة تنتمي للعصر البطلمي كانت تسمى "نيكوبوليس" ومعناها النصر " على شاطيء البحر وتبعد عن الإسكندرية بـ 30 غلوة حسبما يذكر سترابون ، وبـ 20 غلوة حسبما يذكر يوسيفوس،
- ومسمى "بولكلي" مسمى غريب يختلف الكثيرون حول سبب إطلاقه على تلك المنطقة ، فيرجعه البعض إلى وجود أحد العاملين بالقنصلية الإنجليزية والتي كان يقع مبنى سكن قنصلها بالقرب من ذات المنطقة في "أبو النواتير" جنوباً ( منطقة كفر عبده حالياً) وهو الأمر الذي لم يثبت لنا في أي من المراجع التاريخية الشهيرة ، ولكنه من الثابت تاريخياً أن تلك المنطقة التي يطلق عليها الآن "بولكلي" كانت تقع في ذات المكان الذي كانت تقع فيه مدينة صغيرة تنتمي للعصر البطلمي كانت تسمى "نيكوبوليس" ومعناها النصر " على شاطيء البحر وتبعد عن الإسكندرية بـ 30 غلوة حسبما يذكر سترابون ، وبـ 20 غلوة حسبما يذكر يوسيفوس،
كوبرى ستانلى
وقد سميت كذلك نسبة إلى الانتصار الذي أحرزه أوكتافيوس أغسطس علي مارك أنطونيو ، وكانت تقام هناك أحتفالات بهذه المناسبة ، مرة كل خمس سنوات" ، ويؤكد ذلك "محمد رمزي" في قاموسه الجغرافي للبلاد المصرية حيث يذكر في الجزء الخاص بالبلاد المندثرة (البائدة) في حديثه عن مدينة نيكوبوليس "وردت في جغرافية استرابون Nicopolis وقال إنها كانت على فرع كانوب الموصل للإسكندرية وكان بها دور كثيرة للملاهي ، ومن هذا الوصف يتبين أن نيكوبوليس كانت واقعة على ترعة المحمودية غربي كوبري حجر النواتيه ، ولكن الأستاذ برشيا لما تكلم عنها في صفحة 73 من كتاب دليل مدينة الإسكندرية ومتحفها اليوناني الروماني قال إن مدينة نيكوبوليس ومعناها مدينة النصر أنشئت في عهد الإمبراطور أوغسطس قيصر تذكاراً لانتصاره على مارك أنطوان ، ثم قال إن هذه المدينة كانت واقعة في المنطقة التي تعرف اليوم ببولكلي في المسافة الممتدة على شاطيء البحر الأبيض ما بين ثكنات مصطفى باشا وبين جليمنوبولو برمل الإسكندرية" ، وهكذا أنتهى حديث "محمد رمزي" ليؤكد لنا أن "نيكوبوليس" هي ذاتها منطقة بولكلي"، بينما يذكر "علي باشا مبارك" في خططه في معرض حديثه عن مدينة الإسكندرية حول ذات المنطقة "ومعنى كلمة نيكوبوليس مدينة النصر واستكشف بها في هذه الأزمنة معبد قريب من المحل المعروف عند الأهالي بقصر قيصر ، والغالب أنه من ضمن النيكوبوليس وكان بعد هذه الناحية ناحية أخرى تسمى بوكليس ، وكانت منازلها منها ما هو على البحر، ومنها ما هو على الخليج الحلو ، وكانت محل تنزه وتفسح ، وكان الخليج المذكور على يمين الخارج من باب كانوب ، بناء على قول استرابون"، ومن هذا يمكننا القول بأن منطقة "بولكلي" الحالية هي ذات المنطقة التي ضمت مدينة "نيكوبوليس" وكذا ناحية بوكليس" والتي يوردها أيضاً " محمد رمزي" في قاموسه الجغرافي فيذكر أنها "كانت شرقي نيكوبوليس بالرمل من ضواحي الإسكندرية"، وهكذا كانت بوكليس" هي ذات المنطقة والتي قد تكون تحول بعد ذلك نطاقها ليتحول على اللسان العربي إلى "بولكلي" أو "بوكله" كما ينطقها السكندريون وللآن ، ولعل ذلك هو الأقرب إلى الصواب لتظل دائماً "بولكلي" أو "بوكله" منذ تأسيس مدينة الإسكندرية في العصر البطلمي وحتى العصر الحديث محلاً للأحداث والتاريخ ولتسطر بذلك صفحة من صفحات التاريخ في الإسكندرية .
الجمعة، يناير 21، 2011
سجون العقل العربى للمفكر الكبير د طارق حجى - الجزء الرابع
شهد المسلمون خلال القرون الخمسة الهجرية الأولى نشاطًا فكريًا هائلاً فى سائر مجالات الفكر الإسلامي - علم أصول الفقه وعلم الكلام والتفسير والتأريخ - وهو ما تمخض عن ثروة في الآراء والاجتهادات من أقصى اليمين المحافظ كالمدرسة الحنبلية لأقصى درجات التوسع فى التأويل وإعمال العقل بنفس درجة إعمال النقل – وربما أكثر (مثل المفكر العظيم ابن رشد)
؛ وبين هذا وذاك شتى أنواع المدارس .
وقد ساهمت نظم الحكم الأوتوقراطية المغلقة مع نظم التعليم منبتة الصلة بالعصر وكذلك وسائل الاعلام الموجهة ومناخ ثقافة الفهم المتزمت (وأحيانًا المتطرف) للدين لنشوء حالة تحفز بين عقول أعداد كبيرة من المسلمين والعرب لكلمات مثل "التقدم" و"الحداثة". بل يمكن القول إن العوامل التي ذكرتها (وهي عوامل داخلية) مع عوامل أخرى خارجية (مثل مرض "الطفولة الثقافية" في بعض الدول بالغة التقدم) قد أدت بالعقل المسلم والعربي للاعتقاد بأن الدعوة للتقدم والحداثة هي دعوة للتبعية وفقدان الخصوصية الثقافية. ويزيد من تفاقم الحالة، ما يشعر به مسلمون وعرب كثيرون من أن قيم الحضارة الغربية السامية هي للداخل لا للكل. وقد بذلت جهودًا هائلة لأوضح لقرائي في مصر ومنطقة الشرق الأوسط أن "التقدم" ظاهرة إنسانية في المقام الأول. وأن "روشتة التقدم" لا جنسية و لا دين لها: وكان دليلي الأول دائمًا أن الولايات المتحدة واليابان
وماليزيا وتايوان وكوريا الجنوبية هي مجتمعات متقدمة
، وبعضها غربي بحت وبعضها صيني وبعضها مسلم وبعضها ياباني. وقد أفردت العديد من كتاباتي لأوضح لأبناء وبنات مجتمعي أن الزعم بأن التقدم والحداثة هما مقابل حتمي لضياع الهوية والخصوصية الثقافية هو خلط مروع للأوراق. وما أكثر ما رددت: "إنني كرجل مارس تقنيات الإدارة الحديثة على نطاق واسع أعلم يقينًا أن هناك "إدارة ناجحة" و"إدارة فاشلة" ولكنني لا علم لي بإدارة عربية أو صينية أو إفريقية أو فرنسية". لقد تقدمت اليابان تقدمًا مذهلاً خلال خمسين سنة، ولا يزال المجتمع الياباني (لاسيما خارج العاصمة "طوكيو") يابانيًّا صرفًا
. والذي ينكر أن التقدم ظاهرة إنسانية وأن آلياتها أيضًا إنسانية هو إنسان لم تر عيناه "آليات التقدم على أرض الواقع" (وربما يكون ذلك تفسير عدم اهتمام معظم الأكاديميين بهذه الجزئية).
ولا شك أن نظم الحكم الاستبدادية يلائمها المواطن المحلي الصرف والمنبت الصلة بالعالم الخارجي والذي يعتقد أن "الحداثة" هي الوجه الآخر "للتبعية" : فمواطن كهذا لن يؤمن أيضًا بأن "الديمقراطية" ثمرة الإنسانية وأنها "منتج إنساني" و"حق إنساني" وليست بضاعة غربية "للغربيين" – كما أنه سيدرك (وهو أمر غير مرغوب فيه) أن القول بأن لكل مجتمع "نوع خاص من الديمقراطية يناسبه" هو "كلام مغرض إلى أبعد حد" : فمن المؤكد أن هناك صورًا عديدة للديمقراطية .. ولكن من المؤكد أيضًا أنها كلها تتضمن آليات محاسبة تهبط بالحكام من "أفق السادة" إلى "أفق خدمة المجتمع".
ولكن المسلمين ارتكبوا جناية كبرى فى حق أنفسهم وفى حق دينهم عندما توقفوا عن البحث عن مفاهيم وحلول جديدة عندما أعلنوا "قفل باب الاجتهاد" والانكباب على ما أنتجه السابقون من مفاهيم وحلول - رغم أنها كانت ابنة زمانهم وثمرة ظروف عصرهم . وهكذا؛ فإن المسلمين منذ نحو ثمانية قرون فى حالة اجترار لأفكار رجال آخرين اجتهدوا لزمانهم لا لزماننا . وبينما كان رجال الدين - منذ ثمانية قرون – من نوعية ابن رشد الذي كان بقامة مثل قامة أرسطو
؛ فإن رجال الدين اليوم لا يقرأون إلا بالعربية ولا يعرفون علوم ومعارف العصر كما أنهم من بيئات اجتماعية لا تسمح لهم ظروفها بالانفتاح الفكري على إبداعات الإنسانية فى سائر مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانيات .
٤.1
إننا بحاجة لجيل جديد ممن استوعبوا علوم وثقافات ومعارف العصر بقدر معرفتهم بتراث المسلمين السابقين . منذ سبعين سنة؛ كان شيخ الأزهر فى مصر - الدكتور مصطفى عبد الرازق - أستاذًا سابقًا للفلسفة - وأين ؟ ليس فى جامعة الرياض أو جامعة صنعاء؛ وإنما فى جامعة السوربون !!
لقد جمعتني الظروف بعدد من رجال الفاتيكان؛ وكنت دائما أتحسر : لماذا يحفل الفاتيكان برجال دين على هذا المستوى التعليمي والثقافي والمعرفي الموسوعي في شتى مجالات المعرفة
؛ بينما رجال الدين عندنا لا يعرفون أى شىء عن الثمار العظيمة للإبداع الإنساني فى عشرات المجالات التي تنضوي تحت فروع العلوم الاجتماعية والإنسانيات المختلفة . فى مؤتمر منذ بضع سنين رأيت من يعتبره البعض أكبر الفقهاء والدعاه الإسلاميين المعاصرين (وهو المصري المتجنس بالجنسية القطرية والذي هرب من مصر إبان أزمة صدام الإخوان المسلمين مع جمال عبد الناصر في سنة 1954)
وهو يستعمل أكثر من مترجم ولا يدخل فى أي نقاش يتعلق بالأفكار والتيارات الحديثة فى العديد من المجالات؛ بينما كان رجال الفاتيكان يصولون ويجولون بأربع أو خمس لغات وفى كافة المجالات المعرفية - ولا أكتم القول إننى شعرت يومها بالخجل منه فقد كان بدائيًا فى كافة المجالات والتصرفات وكأنهم أتوا بإنسان بدائي من أحراش جزيرة بورنيو . نريد جيلاً من رجال الدين درس الأديان الأخرى والتاريخ الإنسانى والآداب العالمية والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس ويجيد عددًا من اللغات (لغات الحضارة) ... وحتى يحدث هذا؛ فسيظل مستوى رجال الدين عندنا على ما هو عليه الآن من البدائية والسذاجة والضحالة والانعزال عن مسيرة التمدن والإنسانية ... قبل إن أبلغ العشرين علّمني المسرح اليوناني والفلسفة اليونانية القديمة راهب كان يرأس الدير الدومينيكي فى العباسية بالقاهرة وهو الأب جورج قنواتي
؛ وعلّمني راهب آخر ما جعل البعض اليوم يظن - وهو غير حقيقي - إنني متخصص أكاديميًا في الديانة اليهودية . ولم أر فى حياتي رجل دين إسلامي موسوعي المعرفة . والخلاصة أنه كما أننا متخلفون فى سائر العلوم والمجالات؛ فإننا متخلفون لأبعد آماد التخلف فى علوم الدين الإسلامي وحالنا فى الدين الإسلامي كأحوالنا فى الطب والهندسة وتكنولوجيا المعلومات وأبحاث الفضاء - إننا لسنا سوى "عالة" على البشرية - حتى السلاح الذى يستخدمه رجال الجماعات التي تسمي نفسها بالجهادية هو من صُنع الآخرين الذين يعملون ونتكلم نحن فى تفاهات الأمور .
إن عدم ظهور رجال دين من الطراز الذي وصفت معالمهُ فيما سبق من هذا الفصل أي رجال يجمعون بين ذروة علوم الإسلام وذروة علوم العصر، بدون ظهور جيل من هؤلاء، فإن المسلمين ستزداد عزلتهم عن ركب البشرية وستزداد حملات الهجوم عليهم والتخوف والحذر منهم بل أتصور طرد أعداد كبيرة منهم من المجتمعات الأوروبية ومجتمعات أمريكا الشمالية كما قد تتكرر مصادمات مثل صدام الغرب مع طالبان في أفغانستان
وسيصبح المسلمون (أو بالأحرى : ستصبح قطاعات كبيرة من المجتمعات الإسلامية) العدو الأول للحضارة الغربية بل و ربما للإنسانية .
٤.2
ومن المستبعد أن يحدث التطوير المنشود داخل المؤسسات الدينية. فأكبر المؤسسات الدينية الإسلامية في العالم حاليًا (في السعودية وفي مصر بالتحديد) تطرد عناصر التجديد والتغيير البسيط، فما بالك بالتغيير الشامل المنشود . لقد طردت إحدى الجامعات الإسلامية الدكتور / أحمد صبحي منصور
لمجرد رفضه لأن تكون الأحاديث النبوية مصدرًا للأحكام الفقهية . وكان الجدير بها أن تختلف معه اختلافًا علميًا لا يخرج عن دائرة الحوار والجدل ومقارنة الحجة بالحجة . وهو أمر غريب، فقد كان أبو حنيفة النعمان
غير بعيد عن هذا الموقف الذي اتخذه الدكتور / أحمد صبحي منصور . فبينما قبل بعض الفقهاء الأحاديث النبوية، فإن أبا حنيفة قد رد معظم هذه الأحاديث واكتفى ببضعة عشرات منها – وبكلمات أكثر تحديدًا فإننا لو كنا قد وضعنا أمام أبي حنيفة كتابًا مثل صحيح البخاري
لكان قد رفض أكتر من تسعين بالمائة من محتوياته، ولكانت الجامعة الإسلامية قد حكمت بتكفير أبي حنيفة الذي هو أول الفقهاء الأربعة والملقب في التاريخ الإسلامي بالإمام الاعظم . والخلاصة أن أحوال المؤسسات الدينية الإسلامية المعاصرة لا تشي بقدرتها على إفراز رجال من نوع أبي حنيفة النعمان وابن رشد، فهى تزداد انغلاقًا وانكبابًا على المراجع الصفراء ويقتصر دورها منذ قرون على الشرح على المتون ولا يكاد يوجد بين رجالها من طالع ولو كتاب واحد بأية لغة غير العربية . وعليه، فإن التغيير المنشود مرهون بإرادة سياسية تستند على حس تاريخي واستشراف مستقبلي، وهى مؤهلات غير متوفرة بكثرة في المجتمعات الإسلامية . ولكن بدون إرادة سياسية تهدف إلى إجراء عمليات كبيرة داخل بنية الفكر الإسلامي وجعل هذا الفكر منسجمًا مع العصر ومع العلم ومع مسيرة المدنية، فإن المسلمين سيكونون في طريقهم لمواجهة مع البشرية تشبه اصطدام الأجرام في الأفلاك السماوية .
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)


















































